
صخب الصمت: ما لا يعرفه الآخرون عن “عقل القلق العام”
خطئ الكثيرون حين يظنون أن مريض القلق العام (GAD) هو مجرد شخص “كثير التفكير” أو متوتر بطبعه. الحقيقة أن الأمر أعمق من ذلك بكثير؛ إنه أشبه بامتلاك “جهاز إنذار” شديد الحساسية يعمل في منتصف ليلة هادئة دون وجود خطر حقيقي، لكن جسد المريض وعقله يتعاملان مع هذا الإنذار كواقع لا يقبل التأويل.
1. “فخ المحاكاة”: عقل يبني سيناريوهات الكوارث
مريض القلق العام يمتلك عقلاً يعمل كـ جهاز محاكاة فائق السرعة؛ فهو يقوم ببناء آلاف السيناريوهات الافتراضية لما قد يحدث في يومه أو مستقبله، مع التركيز المفرط على أسوأ الاحتمالات الممكنة. هو الشخص الذي يرى في تأخر الرد على رسالة نصية احتمالاً لوجود مشكلة كبيرة، ويرى في تغيير بسيط في نبرة صوت زميله علامة على خسارة وظيفته. هذا ليس رغبة في التشاؤم، بل هو “فرط نشاط” في مناطق التحذير بالدماغ التي ترفض الاسترخاء.
2. التعب الذي لا يزيله النوم
من الحقائق التي لا تُناقش كثيراً، أن مريض القلق العام يعاني من “إرهاق عضلي ونفسي مزمن”. لأن عقله في حالة تأهب قصوى (Fight or Flight) طوال الوقت، تظل عضلات الرقبة والظهر في حالة تشنج دائم. المريض قد يستيقظ متعباً لأنه خاض “حروباً ذهنية” مرهقة طوال الليل في محاولة منه لحل مشاكل لم تقع أصلاً.
3. تقنيات مبتكرة للتعايش السلمي:
-
تحديد “ساعة القلق”: بدلاً من ترك القلق يلتهم يومك، خصص 15 دقيقة فقط في وقت ثابت (مثلاً الساعة الخامسة مساءً)، وقل لنفسك: “سأسمح لعقلي بمحاكاة كل المخاوف الآن”. إذا خطرت لك فكرة مقلقة في الصباح، دوّنها وأخبر عقلك أن “موعد مناقشتها لم يحن بعد”. هذا يمنحك شعوراً بالسيطرة على وقتك.
-
تمرين الحواس الخمس المعكوس: عندما تهاجمك نوبة القلق، اخرج من “سجن عقلك” إلى “أمان جسدك”. ركز فوراً على لمس شيء بارد، أو شم رائحة قوية، أو عدّ الأشياء التي تراها حولك. الهدف هو “إعادة توطين” الوعي في الحاضر الملموس بعيداً عن المستقبل الافتراضي.
-
تحويل “ماذا لو” إلى “خطة عمل”: كلما سألك عقلك “ماذا لو حدث كذا؟”، لا تتوقف عند الخوف، بل أجبه بجملة عملية: “لو حدث ذلك، سأتصرف كالتالي…”. تحويل القلق من شعور عائم إلى “خطة مكتوبة” يقلل من حدة استجابة الدماغ للخطر.
4. كيف تدعم شخصاً يعاني من القلق العام؟
المريض لا يحتاج لسماع كلمات مثل “اهدأ” أو “لا داعي للخوف”، لأن عقله يصرخ فيه بأن الخطر وشيك. هو يحتاج فقط إلى اعترافك بأن ما يشعر به صعب ومرهق، وإلى وجودك الهادئ الذي يمثل “المرساة” التي تشده إلى أرض الواقع حينما تتقاذفه أمواج الأفكار.
Leave a reply(( القلق العام ليس خللاً يجب الخجل منه، بل هو طاقة ذكاء وحذر ضلت طريقها. من خلال الوعي والتدريب السلوكي، يمكن تحويل هذا الجهاز المحاكي من “مولد للمخاوف” إلى “أداة للإبداع والتخطيط الناجح”))