القلق العام: لا يضر الجسم و الصحة اطلاقا

ظنّ كثير من الناس أن القلق العام مرضٌ يجب القضاء عليه كليًا، وأن غيابه هو علامة السلام النفسي الكامل. لكنّ الحقيقة أكثر تعقيدًا، وأحيانًا أكثر إنصافًا للقلق نفسه. فالقلق، في جوهره، ليس عدوًّا للجسم، بل نظام إنذارٍ ذكي صُمّم لحمايتنا، لا لإيذائنا.

بين الخطر الحقيقي والخطر المتخيَّل

حين يشعر الإنسان بالخوف من حدثٍ قادم أو نتيجةٍ مجهولة، يبدأ الجسد بالاستجابة عبر إفراز هرمونات مثل الأدرينالين والكورتيزول. هذه المواد تجهّز العضلات، ترفع نبض القلب، وتزيد من تدفق الأوكسجين إلى الدماغ — أي أنها تضع الجسد في أقصى حالات التركيز والاستعداد.
في لحظات الخطر، هذا القلق هو ما يجعلنا نتحرك بسرعة، نتجنّب الأخطاء، أو نستعدّ للامتحان أو المقابلة أو الموقف الاجتماعي الصعب. بمعنى آخر، القلق ليس مرضًا بحد ذاته، بل لغة الجسد حين يأخذ الحياة على محمل الجد.

عندما يصبح القلق جزءًا من الذكاء

علم النفس العصبي الحديث يرى أن القلق المعتدل دليل على نشاط معرفي مرتفع. فالعقل القَلِق هو عقلٌ يتوقع، يحسب الاحتمالات، ويستعد للنتائج. إن غياب القلق تمامًا قد يشير إلى بلادة وجدانية أو لا مبالاة، في حين أن وجوده بحدودٍ طبيعية يعني أن الجسم والعقل يعملان بتناغم لحماية التوازن الداخلي.
حتى الدراسات تشير إلى أن مستويات القلق المنخفضة إلى المتوسطة قد ترفع الأداء في العمل أو الدراسة، لأنها تخلق نوعًا من “التوتر البنّاء” الذي يحفّز الانتباه والإبداع.

كيف نعيش مع القلق دون أن نُحاربه

الخطر لا يكمن في القلق ذاته، بل في سوء فهمه. فحين نحاول طرده تمامًا، نصبح في صراعٍ دائم مع طبيعتنا الفسيولوجية. أما حين نتقبّله كإشارة لا كحكمٍ بالإعدام، يتراجع تأثيره تلقائيًا.
التنفس العميق، المشي، والكتابة ليست أدوات “لقتل” القلق، بل لتهدئة الجهاز العصبي حتى لا يبالغ في حمايتنا. فالجسم لا يفرّق دائمًا بين خطرٍ واقعي وخطرٍ متخيل؛ نحن من نعلّمه ذلك عبر الوعي والهدوء.

القلق ليس مضرًّا… إذا استُمع إليه

القلق العام ليس دائمًا عدوًا للجسم، بل أحيانًا حارسٌ مرهقٌ قليل الكلام. هو دليل على أن الجسد متيقّظ، والعقل متفاعل، والنفس تحاول النجاة بذكاءٍ فطري.
ما يضرّنا ليس القلق، بل خوفنا من الشعور به.
وحين نتعلّم الإصغاء إليه دون مبالغة، يتحوّل القلق من ألمٍ مزمن إلى طاقةٍ هادئة تقودنا نحو حياةٍ أكثر وعيًا واتزانًا.

Leave a reply